الرقيق القيرواني

96

تاريخ افريقية والمغرب

وقرأه ، وصاحت فقال لها : « لا عليك ، أنا أبعث به إليه يختمه » ثم بعثه إليه فقال : « ما أختمه حتى تعيد البيّنة مرة أخرى ( فردّه عليه ثانية ليختمه فأبى » ، فقال : « ما أفعل » فلما ولىّ رسول يزيد أخذ عبد الرحمن خاتمه فكسره وأخذ جلده ، وقال : « واللّه لا أحكم بين اثنين أبدا » ، قال : « فوّلى يزيد بعده ابن الطّفيل التّجيبى ، وكان يسكن في سوق اليهود في الدّرب المعروف إلى اليوم بابن الطّفيل ، وكان يركب إلى دار عبد الرحمن بن زياد يشاوره في أمره ، وكان يقرع الباب » ، فيقول الخادم : « من أنت ؟ » فيقول له : « قل لمولاك هذا الذي عزلك » وكان ربّما حضره الطعام فيأكل معه ابن الطفيل ، ويركب حمارا له حتى يأتي المسجد الجامع ، فينزل ويجلس ، ويخلّى الحمار فينطلق الحمار يريد دار يزيد بن الطّفيل بغير قائد ولا سائق ، فيأكل ما يلقى في الأزقة من حشيش وبقل ، وهو في ذلك يمشى حتى يأتي دار ابن الطّفيل ، فيؤخذ فيدخل ، فإذا كان الوقت الذي يعلمون أنه ينصرف ، اسرجوا الحمار فيذهب حتى يأتي الجامع فيخرج فيركبه وينصرف . قال سليمان : ثم عزل يزيد بن حاتم بن الطّفيل ، وذلك أنه رفع إليه أنه رفع كتبه عند رجل من البراّزين ، فقال له : « لم فعلت هذا ؟ » ، فقال له : « إنّها مختومة وأنا أحفظ ما فيها » ، فقال له : « وإن كان ، فليس هذا من سير القضاة » وعزله . قال سليمان : وكان سبب وفاة عبد الرحمن بن زياد أنه أكل عند يزيد بن حاتم سمكا وشرب لبنا ، وذلك في الليل ثم انصرف ، وكان يحيى الطّبيب حاضرا ، وكان عبد الرحمن قد جاوز السبعين ، فقال يحيى : « إن كان الطبّ حقا ، فإنّ الشيخ يهلك » ، وكان يزيد في عليّة له في دار الإمارة ، إذ سمع بكاء في الليل ، فقال : « ينبغي أن يكون هذا البكاء على عبد الرحمن » فكان كذلك ، فلج فمات ، ووقف يزيد بن حاتم خارجا من باب نافع ينتظر الجنازة فلمّا أقبلت ، ونظر إلى جماعة النّاس وكثرتهم وازدحامهم تمثّل بهذا البيت : يا كعب ماراح من قوم ولا ابتكروا * إلّا وللموت في آثارهم حادي